الثلاثاء، 30 يوليو 2013





الحد الفاصل
بسم الله الرحمن الرحيم

في منتصف التسعينات كنت قد بدأت عن شئ يخص بداية الكون ، من القران الكريم وقدمت لذلك بأنه كل من يأتي ليغالط شئ أصبح من المسلمات فإنه يقابل بالتكذيب. عدم المبالاة بما يقول وخاصة لو بني هذا السامع علي هذه المعلومة التي أصبحت عنده من المسلمات. حتي ولو كانت هذه المسلمات غير صحيحة..

هناك أسئلة كثيرة لا نعرف إجاباتها الان .لا نعلم علي وجه التحديد ما هو العمر الذي خلق فيه أبونا ادم عليه السلام. هل كان في عمر المراهقة؟ أم كان رجلا ناضجا كاملا؟ أم لربما كان في عمر الطفولة. حقيقة لا ندري.أما أمنا حواء فهي بالتأكيد كانت إمرأة كاملة عندما أخرجها الله من ضلع ادم عليه السلام. و لكنا أيضا لا نعرف عمرها علي وجه التحديد. و أيضا لا نستطيع الجزم بكم من الزمن مكث أبونا ادم وامنا حواء بالجنة؟ و هل كان لهم ابناء هناك يمكن تضمينهم في كلمة جميعا التي اتت في سياق الاية عند الهبوط؟ و متي بدأ العد لعمر ابونا ادم وامنا حواء . هل عند الخلق مباشرة ام عند دخول الجنة ام بعد النزول؟ و بعد كم من الزمن خلقت حواء ؟ أي كم من الزمن عاش سيدنا ادم وحيدا؟

الشئ المؤكد انه وبعد النزول ان ابونا ادم وامنا حواء كانوا يعرفون ماذا يريدون . وكانوا يعرفون كل ما حولهم فالتعريف تم لادم هناك في الجنة.

علي حسب إبن كثير فإن ادم عليه السلام عاش حتي رأي ثلاثة مائة الف من ذريته. اي بما يعادل قرية كبيرة او مدينة صغيرة. والسؤال هنا في اي عمر توقفت امنا حواء عن الانجاب.؟ وكم من الزمن إستمرت في الانجاب؟ و كم كان عدد أبناءها المباشرين. ؟ و من الذي مات أولا ادم ام حواء..؟؟

ما أتي عاليه من أسئلة إجاباتها صعبة جداً إذ لم تكن مستحيلة. و لا نستطيع الخوض في تفاصيلها. و لكن يمكننا ان نجمع الاسئلة حولها. فلربما يأتي يوما ما لنجاوب هذه الاسئلة. فنحن لا نستطيع ان نتخيل مدي الحزن الذي يعتري إي من ادم او حواء إذا مات أحدهما قبل الاخر؟ ولكن نستطيع ايضا وفي هذا السياق ان نتحدث عن حادثة حكت عنها كل الكتب السماوية بما فيها القران. الا وهي حادثة هابيل وقابيل. وهذه الحادثة برغم وضوحها وبرغم ما حكي عنها. لكن ايضا نستطيع ان نجمع كثير من أسئلة حولها. فعندما حدثت هذه الحادثة. كم كان تعداد البشر في ذلك الحين؟ فإجابة هذا السؤال تعطي كثير من ضؤ عن خبايا الانسان وكم كان رقم هؤلاء في سلسلة ابناء ادم.؟

في تصوري الخاص فإن هذه الحادثة تمت بعد تجاوز ولد ادم المائة . فنعد ذاك تتشعب المصالح وتتقاطع. ويكون هناك كثير من التنازع. هذه الحادثة لم تكن بالبساطة التي يتحدث عنها الناس. فلا أتخيل إن اول انسان يقتل يكون السبب في ذلك أنثي. بل الدافع كان مفردة قاسية من اتصف بها يمكن ان يفعل اي شئ. انها مفردة الحسد. كان مقتل هابيل جراء هذه المفردة المقيتة. عندما حس بتفضيل اخيه عليه. حسد اخيه علي تفضيل الله له. فباء بغضب من الله . عندما حس اخوة يوسف عليه السلام بتفضيل اباهم يوسف عليهم رموه في الجب. هكذا الانسان دائما. وكانت هذه اول جريمة علي الاطلاق.

كان الناس يعيشون تحت ظلال ابوهم ادم . تحت علمه وحكمته التي علمها له الله. كانوا يرجعون له في كل ما يعترض حياتهم . كان ينظمها لهم ويفتيهم في كل ما شجر بينهم. كانوا كلهم يعبدون الله ، يوقرونه، ويدينون له بالربوبية. ولم يكن أحد يستطيع ان يخرج عن ذلك الطريق المؤدي الي الله. لربما كان هناك الكذب او السرقة او حتي القتل ولكن لم يكن هناك شرك او كفر علي الاطلاق. عندما توفي سيدنا ادم عليه السلام الي رحمة مولاه. توحد كل بنيه في الحزن الشديد. و حسوا بأنهم بفقدهم الوالد والمربي والهادي لكأنما اصبحوا بلا قائد وبلا ربان. حسوا الضياع ولكن الله ارسل لهم ما ينظم حياتهم ويهديهم . ونستطيع ان نميز شيس عليه السلام. فلم يكن شيس نبييا فقط بل كان القائد وكان لهم رجل الحكمة و القاضي وحتي الموجه والمعلم. و استمر بني ادم علي هذا المنوال وهم يأخذون من علم ابوهم ادم الذي تركه لهم ويأخذون من حكمائهم وانبيائهم فصعدوا في سلم الرقي والمجد والعلم . وتكاثروا وتوالدوا وكان الله دئما ما ياتيهم بالذي يكون لهم نبراس ونور. وكانو قد تعلموا الزراعة والرعي في عهد ابيهم ادم عليه السلام, فإنتشروا في الارض. وبدأوا في تعميرها. عاشوا زمنا لا يعرفون الحروب ولا هجمات الطبيعة . فلقد وقاهم الله شرها. و اصبحوا في مأمن من هجماتها. فأرسل الله فيهم أولياء يهدونهم. فتعلموا صناعة السفن وبرعو فيها وعرفوا خباياها فإنتشروا في جميع انحاء الارض, وتوزعوا فيها . هؤلاء ابنا ادم عليه السلام بداوا في تعمير الارض ولم يسفكوا الدماء ولم يفسدوا فيها. كان هؤلاء الاولياء موزعين معهم . في جميع ارجاء الارض. كان الولي يعوق ونصرا . و كانوا يستمعون لهم ودائما تكون كلمتهم هي العليا. كان هؤلاء المبجلون يمشون في الناس بما يرضي الله. فلقد أوتوا حكمة ونفاذ بصيرة. و صلاح , وتطور الانسان و أخرج ما في باطن الارض. و أخذ يحس بقوته وجبروته. أخذ يطوع كل ما حوله لمصلحته الخاصة. و هذا هو الانسان منذ البدء . و مخرت السفن عباب البحار والمحيطات الي كل أرجاء الارض.

كان الناس عندما يريدون ان يفعلوا شئ يرجعون فيه الي اولياؤهم وحكمائهم سالفي الذكر. و كانوا يعملون بما ينصحونهم به. و كانوا دائما ما يكونون صائبين في نصائحهم. الي ان جاء ذلك اليوم الذي مات فيه يعوق. كان حزن ما بعده حزن. كان يوم تناقلت أخباره كل الارض. هل ينسي الناس يعوق .؟ هل دورته قد تمت؟ ولا يسأل عنه أحد البتة. هذه الدنيا لا دوام لها. فهاهي قد أخذت خير بنيها. وتوالت الاحزان ومات نصرا.

فشعر الناس بفراغ عظيم . شعروا بالفقد الجلل. و أن حياتهم لا طعم ولا رائحة لها. بالرغم من ان هناك حكماء اخر قد خلفوهم و لكن كان الحنين دائما لهؤلاء. الذين نظموا حياة الناس الذين كانوا يعبدون الله بحق.
فإجتمعوا وتشاوروا و اتفقوا علي ان يحيوا ذكري هؤلاء بعمل نصب تذكاري لكل واحد منهم. فعملت لهم النصب في كل أرجاء المعمورة. و كتبت عليها اسمائهم. وكتب ايضا: ( هؤلاء هم خير منا، الذين أعطوا للحياة معني.)
كان كل من يفعل منكر ما . يأتي ويري هذه النصب فيتذكر, فيرجع الي الله ويتوب من وقته. كانت لهم كارزما في حياتهم وحتي بعد الممات. و استمرت دورة الحياة. ولا زال الانسان يكبر يوم بعد يوم. وتدين له بحار واراض جديدة. هذا الانسان الذي لا يتوقف ابداً.
مات جيل وتبعه جيل. و اتي جيل اخر بعد اخر . حتي اتي من كان لا يعرف عن هذه النصب غير ما يحكي عنها كان لا يعرف هؤلاء الصالحون . ولم يرهم. كان لا يعرف عن هذه النصب التي تملأ الارض . و لكن كان تأثيرهم عليهم ايضا كبير. فأصبحت النساء عندما يردن ان ينجبن يذهبن الي هذه النصب حتي يكون اولادهن مثل هؤلاء الصالحون. أصبح الذين يريدون مصلحة ما يأتوا إليها ليسألوا حاجتهم. كان هناك حكماء وعلماء . كانوا يحذرون الناس من هذا الفعل. نعم هذه النصب تذكرنا بهؤلاء العظماء، ولكن من اراد شئ فعليه ان يسأل الله.
ولكن كان الناس يأتون ويسألون. و أصبح هناك سدنة لهذه النصب يحرسونها وينظفونها . وأصبحوا يأخذون من الناس أتاوات لفعلهم ذلك وأصبحت لهم مهنة ومكسب رزق. و كان الناس يعطونهم نظير خدمتهم هذه. و بمرور الوقت أصبح هؤلاء السدنة يحددون حصة محددة لتعطي لهم. و تمادوا وحددوا أوقات للزيارة ومواسم للتبرك. حتي وصلوا الي كيفية الزيارة فوضعوا لها طقوسا.
عند ذاك قام الحكماء والعلماء ومن كان يتبعهم بحرب هؤلاء وعملوا علي التخلص منهم. و نجحوا في ذلك الي حد كبير.
الا ان ظهر العاق. هذا الانسان الذي نحت اول التماثيل. لهؤلاء الصالحون. وهو اول من نادي بأن تكون هذه التماثيل في البيوت بعيدة عن أعين هؤلاء الصالحون. فلقد أكل الحسد قلوبهم لأنهم لم يصلوا الي المرتبة التي وصل لها هؤلاء.فكان هذا العاق ذا مال . فنحت الكثير من هذه التماثيل. و إقتناها الناس في بيوتهم. و زاد هو في ماله, و ربحت تجارته وزادت. و أصبح كل الناس يبحثون عن البركة في تماثيله. بعيدا عن عيون الحكماء. ودخل اخرون في هذه العملية واصبحت تجارة رائجة.
ففي الاثناء كان الانسان لا يزال يكبر يوم بعد يوم. و ساعة بعد ساعة. وأصبح يري انه قادر وأنه فاعل. حتي أتي ذلك اليوم الذي ضاق فيه الناس من علمائهم. ضاقوا من مواعظهم ومن تذكيرهم بالله وبالموت والحساب. ضاقوا منهم لأنهم يخبرونهم انهم علي ضلالة. و ان هذه التماثيل كبيرة من الكبائر . فإجتمعوا وتحدثوا في ما بينهم، و إتفقوا. و لكنهم أضمروها ليوم معلوم بينهم. في ذلك اليوم أقيمت المذابح والمشانق. و كان ضحيتها هؤلاء الصالحون. قتل العلماء والحكماء. وكل من ينادي ببطلان هذه النصب والتماثيل. و تبعا لذلك خاف من تبقي من انصار هؤلاء الصالحون وتواروا. و ذهبوا بعيداً. أحرقت جميع كتب ومواعظ هؤلاء الصالحون.
كان هذا الذي حدث أول قطع للتفكير. و العلوم الانسانية. كان هذا هو اول خروج عن التسلسل المنطقي للتقدم وتطور الانسان. عاش بعد ذلك الناس ردحا طويل من الزمن يعتقدون في تماثيلهم هذه . ويبتعدون عن الله. ليس هناك وازع ولا رادع ولا موجه. لقد ابيدت كل المواعظ و كل العلوم التي تحدثهم عن الله. من لدن ادم عليه السلام. و أصبح الناس يتخبطون. و دخلوا في أول ظلام لهم. إنه ظلام الشرك بالله. فلقد عبد هؤلاء القوم تماثيل الصالحون ، يعوق ونصرا, ولكنهم بالمثل كانوا يتقدمون في علومهم الاخري. كانوا يتطورون بسرعة ويتناسلون بسرعة اكبر. و لا تزال فكرتهم عن السفن تكبر يوم بعد يوم. و عرفوا الحديد و إستخدموه وصنعوا منه المسامير لسفنهم فأصبحت أكثر قوة ومنعة.
و لكن وبالرغم من ذلك كانوا يبتعدون عن الله يوم بعد الآخر. فأرسل لهم الله رسوله نوح عليه السلام. و كان هذا اول رسول يدعوا الي وحدانية الله . كان نوح عليه السلام اول من ارسل الي قوم مشركين. وكما الذين سبقوه فلقد ارسل لكل من في الارض جميعا. فقام بمهمته خير قيام. و ذهب في أرجاء الارض جميعاً يدعو الناس الي نبذ هذه التماثيل والاصنام وعبادة الله وحده. فكان أول الامر دهشة للناس. فكيف يقول هذا الانسان هذا القول؟ فهم في حقيقة الامر لا يحتاجون الي الله ولا لغيره. فهم قادرون ويستطيعون فعل اي شئ. وهذه التماثيل هي كتمائم الحظ ليس الا. فدخلوا في الكفر الصريح. و عندما تكرر نداء نوح عليه السلام لهم. ذهبوا الي الضيق به وبالذي يقوله. ولكنه كان يواصل الليل بالنهار يدعو الي الله. يسافر الي كل الارجاء بدعوته تلك. و ذاع خبره وسارت به الركبان، والسفن. و كانت أخباره تسبقه الي كل مكان.
ولكن نوح عليه السلام تلقي طعنة نجلاء في ظهره لم يكن يحتسب لها. كانت زوجته علي قدر من العلم والجمال. و كانت تستطيع ان تتحدث بلباقة. و تستطيع نسق الجمل وتنميق الحديث. فكان عندما يحدثهم نوح عليه السلام. و بعد ان يذهب تقوم زوجته لتخبرهم بأن زوجها مجنون و إنه يهذي. و إنه غير سوي. و هذا الذي يقوله لا ينتمي الي الحقيقة بشئ. و كان هذا ديدنها معه. فكانت تخونه في دعوته. وهي خيانة لو تعلمون عظيمة جدا. كانت تفعل ذلك من خلفه دون ان يدري. و استمر الحال ولم يؤمن بدعوته الا القليل. فكان كلما يذهب الي مكان ما يتجنبه الناس. و لا يستمعون له. و اذا قام في مكان عام مثل الاسواق مثلا. كانوا عندما يأتوا بالقرب منه يضعون اصابعهم في اذانهم حتي لا يستمعون له. فهم يقولون انه حديث مكرور تطاول به الزمان و أصبح غير مرغوب فيه.
وحدثت الطعنة الثانية. وكانت من إبنه. فلقد فعل إبنه ما كانت تفعله أمه. فأصبح ال بيته اول مكذبيه و اول من يقف امام دعوته. فجاب الارض جميعا . وذهب الي كل الناس. و أخبرهم ما أرسله الله من أجله. و لكنهم لم يؤمنوا له. و حتي عندما يموت جيل ويأتي جيل آخر كان يسير علي نهج ابائهم. فإستمر نوح عليه السلام علي هذه الحال 950 عاما. يدعوا الي الله عز وجل ليل نهار. و لكن لا يريد احد ان يستمع له. الا قليل. فدعا الله ان يذهب بكل هؤلاء الناس. وأنهم ميؤوس منهم. و إن الذين يأتون من أصلابهم لا يكونوا الا امثالهم, فأمره الله ببناء سفينة. سفينة كبيرة تكون اية لهؤلاء الناس. الذين برعوا في صنع السفن. تكون اية من جنس صنعهم. فإمتثل نوح عليه السلام لأمر ربه.




كرستال




الوردية الليلية 17\4\2010




و شرع في بناء السفينة هو والذين آمنوا معه .. ولم يكونوا كثيرون .. فإجتهدوا في عملهم هذا غاية الاجتهاد .. وعملوا بصبر وجلد .. فكانت سفينة كبيرة .. سفينة مصنوعة من ألواح قوية مثبتة بالمسامير .. فكانت آية في صنعها وفي حجمها أيضاً .. فلقد كانت ضخمة جداً. فكان يأتي كثير من الناس من حوله وهم مستغربون في هذا الرجل الذي ترك دعوته و أصبح نجاراً حدادا. مستغربون في هذا الرجل الذي لا يعرف أين تصنع السفن .. فجاءهم واحد من هؤلاء المجاهرين بالعداوة وقال لهم .. ياهؤلاء إن سفينتكم للحقيقة فهي جميلة و عظيمة ..و لكن كيف ستحملون هذه السفينة الضخمة الي البحر ؟؟ ثم إنفجر ضاحكاً..يبدو أنكم ستحملونها علي ظهوركم .. أو تجرونها بواسطة الافيال .. فضحك الذين معه ضحكاً شديداً.. ولكن كان سيدنا نوح والذين معه لا يعيرونهم إلتفاتاً..كانوا مجتهدون في العمل الذي هم بصدده..

و بعد أيام وليال وشهور عددا .. إكتملت السفينة.. فأخبر الله نوح أن يحمل فيها من كل حيوان أو طير علي وجه هذه الارض اثنين اثنين . و جاءت الوحوش والطير وكل حيوان أتي.. ودخلوا الي السفينة .. ولا زال الآخرون يسخرون .. حتي أن صعاليكهم و ساخريهم جعلوا لهم مكان مرتفع يقدمون فيه سخريتهم من الذين يبنون في السفينة .. و زادت سخريتهم عندما رأوا الحيوانات تدخل الي السفينة .. و اخذوا يتندرون عليهم و يتضاحكون.
و عندما إكتمل ركوب كل الحيوانات .. وقف نوح عليه السلام و خطب فيهم ، قال: " إن الله مغرق هذه الارض جميعاً و لن ينجي أحد من الغرق الا من ركب معي . في هذه السفينة .. فإن الله غضب عليكم .... وهو مغرقكم جميعاً." فضحك منه القوم ضحكاً شديداً.. و قالوا له :" إن لنا سفننا أيضاً و لنا هذه الجبال سنصعد إليها . هل رأيت قبل اليوم بماء تصعد إلي الجبال ؟؟ " أحضر أحدهم ماء في قربة ، ثم راح يسكبها علي الأرض وهو يقول :" هيا أصعدي أيتها الماء الي ذاك الجبل..هيا أصعدي .. هيا أصعدي" و إنفجر الحضور ضاحكين .
إلتفت نوح عليه السلام فرأي إبنه. ولكن قبل أن يتكلم معه أشاح منه بوجهه..ولكن و برغم ذلك قال له :" أيا بني إركب معنا ولا تكن من القوم الضالين." ولكنه لم يستمع له..عند ذاك ركب نوح عليه السلام و الذين معه الي السفينة. و بمجرد دخولهم فيها .. تجمع السحاب من كل مكان .. و إسودت الدنيا .. و هطلت الامطار غزيرة .. فنادي نوح إبنه . و لكنه قال له إنه سيصعد إلي جبل يعصمه من الماء. و فجأة نبع الماء من تحت أقدامهم و أخذ يرتفع بسرعة كبيرة .. و أخذت السفينة تطفو.. والماء يرتفع و يرتفع . و نوح عليه السلام يقول :" بسم الله مجراها و مرساها " .. ثم ينادي لإبنه ولكن الموج يرتفع كالجبال . فيحيل بينهما فلا يستطيع رؤيته ولا مناداته ..فتدمع عيناه ولكن الله يقول له " إنه ليس إبنك إنه عمل غير صالح " و يرتفع الموج فوق كل الجبال و تصبح كل الارض ماء..ليس هناك يابسة . و يستمر هذا الحال أربعين سنة .
أما ما بداخل السفينة..فهم يتعبدون ليلهم و نهارهم .. و الشئ الملاحظ أنهم كانوا يتناسلون بسرعة كبيرة .. إنسانهم و حيوانهم .. و كان كلما مرت السفينة ببعض اليابسة كانوا يتخلصون من بعض الحيوانات و خاصة تلك التي تتوالد بسرعة كبيرة .. و في بعض الاحيان كان ينزل معهم بعض الناس أيضاً.
فكان دايما ما يكون نزولهم علي قمم الجبال..و هكذا توزع الحيوان والانسان علي كل أنحاء الارض.
و سكن الإنسان مع حيواناته الكهوف و بدأ من نقطة الصفر مرة أخري .. و راح ينمو مرة أخري .. بعد هذا الحد الفاصل..الذي كان عبارة عن فيضان ، موج و رياح عاتية ... بعد هذا الفيضان العظيم . شعر الانسان أنه أضاع علي نفسه علوم كثيرة .. لبدأ مرة أخري بما يسمي الآن بالعصر الحجري.




أأاا Hhhlhkkhghjjk;ff,gfygkg






أدوات التفريغ
عندما أرفع عقيرتي بالغناء و أغني هل يعني ذلك بأني سعيد ؟ هل يعني إني أطير سرورا و جزلا ؟ هل يدرك الناس من حولي مدي تمزقات نفسي ، هل يعلموا ما يدور بي من معارك و خروج عن ذاتي ؟؟ فحتي و لو كانت حروف الاغنية تنبض فرحاً فإن الاجابة حتماً لا.
أرقص ووجهي يبتسم. حركات أطرافي المتناسقة مع ضربات الايقاع وكلامي مع من حولي بصوت مرتفع.- يظل دائما يرتفع – و تزيد ضربات الايقاع ، وتزيد أطرافي بالضرب في الهواء حتي تخرج عن ( الزمن ) . كل ذلك لا يعدوا أن يكون غير تفريغ ما بي من شواهد داكنة ورؤي سوداء.
عندما تلح المآسي علينا فهي حتما تولد فينا اللامبالاة ، تولد فينا عدم الاهتمام بكل الذي حولنا وحتي بها. عندما تتزايد فينا الاوهام والمواجع. فإن تجاهلها يصبح ضروري فنحن لم نخلق حتي نضيع اعمارنا بالاعتناء بها، و تربيتها . فالتذهب أو فالتجسم علي، فالامر عندي سيان ، لن يضيرني ذهابها عني ولا المكوس فيّ. فشكرا لها لأنها علمتني أن أكون لا مباليا من الطراز الاول. أصبحت تعابير وجوهنا وتجاعيدها مرسومة و منسوجة لتحمل وتعطي معني الكروب والهموم ، لقد أصبحت الآلام تعصرنا عصرا لتخرج ما تبقي فينا من معاني سامية نبيلة و أصبحت التكشيرة معلما يحدث عنا و يعبر عنا في كل المجالس والمنتديات.
و جعي يزيد وكل شرور الدنيا تدور الآن في رأسي. فكيف بالله يكافئ الخير الشر في بلدا كهذه.؟ سؤال يدوزن حياتي كآبة و إنحطاط. و يجعل كل شرور العالم تدور في رأسي. قالوا قبلا رأينا الشيطان يعبر كبري ( كوبر ) وهو يلبس ملابس قديس ، يقود عربة يجرها حصانان. و أيضا قالوا إبليس يسكن عند تقاطعات شارع البلدية . وهو يوزع الحلوي والمشروبات الباردة ، علي شارع الجمهورية.لأصحاب التاكسي و أولاد الشوارع فقط. وبخاصة عندما يكون لون الاشارة أحمر. و أيضاً سمعت أن الضؤ الاحمر لا يكذب أبداً ...!!
بالامس القريب وجدت صديقي يتناول إفطاره مع تعاسته. وليس هذا بالغريب بالطبع. ولكن الغريب إنهما كانا يضحكان جزلاً. و في مرة من المرات بالغ صديقي هذا تماماً، عندما أخذ يعدد لي محاسن تناول الافطار مع التعاسة. و لقد قلت له بالحرف الواحد: " ألا وجود يحور وجودنا إلا عندما نعلم تماما بأنا غير موجودون .ولا خير يصلح لشرير. ولا شر عند خير بباطله، وكل في فلك يسبحون."
ضحك صديقي مجلجلا و غمز لي بعينه اليسري.
عموما واصلت أنا في الغناء والرقص بصورة أكبر فأكبر . والناس حولي يصفقون تعلوهم التعاسة والبكاء ويتوشحهم السرور الأجوف إلا من إثنين. أنا وصديقي صاحب التعاسة. واصل الشيطان في عبور الكوبري و لازال إبليس يوزع الحلوي والمشروبات الباردة ، و أصبح الناس يمدحونه كثيراً. ولقد بالغوا كثيراً. في إنهم قالوا إنه يأتي بها من الجنة.. و إن أردت أن أعطي الحق الادبي لهؤلاء ، فأنهم يقولون إنه (يسرقها). كان ذلك اليوم من شهر يناير في تقاطعات شارع الجمهورية بارداً. فقدم إبليس في هذا اليوم شاياً ولم يكن طبعا من الجنة بل من الصين.. وتنزانيا.
هل تتفقوا معي في إن إبليس هذا مخلوق مهم في مسيرة حياتنا؟ علي كل حال إني أراه كذلك. و إذا أنتم لم تروا ذلك ، فيجب أن يكون نصف هؤلاء البشر لا لزوم لهم . فبصراحة، إن كان إبليس يقدم الشاي والمشروبات الباردة. فهم يقدمون الخمر والتباكو.
تمزقات نفسي أصبحت في العد التصاعدي و أخذت أوجاعي و مآسي تتمحور لتأخذ شكل الانسان. الآن أصبحت ماثلة أمامي تنظر لي بكره وحقد دفين ولا أدري ما السبب، المهم حدثتني طويلا إني لم أوفر لها المسكن المريح فيّ  ولا الغذاء الدسم. و هددتني بالرحيل عني. عندما و صلت هذه النقطة قفزت هلعاً. ألم أقل قبلاً إنها مثل الملح ألم أقل إنها مثل شربات إبليس؟؟ تمالكت نفسي من هلعي ذاك و إحتفظت بها واعداً أياها بالمسكن المريح والغذاء الدسم. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت لا أغني ولا أرقص و إذا حدث فهو في حدود مرسومة من قََِبلها.
في الاسبوع الماضي قابلت صديقتي، فأخبرتني بإن إمام مسجدهم قد شنق. فسألتها مستفسراً والدهشة تكسوني. و كيف يصلي الناس؟؟. لا.. لا تخف لقد أتوا بغيره. أما عن القديس - وهذا الكلام منسوب لها- فلقد صلب . ولكن لماذا ؟؟!! لقد أتي قديس غيره يقود عربة يجرها حصانين. ولقد سمعت الناس يقولون إنه خير من ذلكم الذي شنق. وحمداً لله لأنه شنق. تمتمت " الذي صلب " ضحكت ثم هزت رأسها علامة الرفض. أخذت صديقتي في ذلك اليوم تحدثني ولقد كان حديثها كثيراً. حتي إنتصف الليل. و في أثناء حديثها شكرت لي الليلة الماضية. و قالت إنها كانت دافئة وتتمتع بكثير من الضياء. و أخذت تبتسم كاشفة عن أنيابها الجميلة. في ذلك اليوم من شهر أبريل إنطلت ليلتنا باللون الاحمر. ألم أقل قبلا أن اللون الاحمر ضروري لسير الحياة ؟؟ و الم أقل أن الضؤ الاحمر لا يكذب أبداً. فإنه ينفع ليفرغ ما بك من هواجس و هموم عندما تدهن به ليلتك.
في الصباح أضافت صديقتي شئ عجيب غريب ، الا وهو إكتشاف متأخر لأداة تفريغ. الا وهي الصياح في الطرقات. وخاصة شارع ( القصر ) . وتشعب بنا الحديث عن أدوات التفريغ وتوقف بنا عند الجنس.. أو أنه لم يتوقف ولكن هروبي علي ما يبدو وأد باقي الادوات.  وجعلني أسرع لتقاطعات شارع الجمهورية. لاشرب كوباً من عصير البصل. حتي أستطيع أن أخوض في المفردة الاخيرة بكل جرأة وعفوية.. و لكني عندما عدت لم أجد صديقتي. يا تري أين ذهبت؟
مشواري من ود المقبول والي البيت جعلني أوثق علاقاتي بتمزقاتي . ذلك الطريق الطويل المغفر. تنطق فيه الكآبة بكل اللغات . أخذت تمزقاتي تخرج لتتجول معي وتتقافز حولي مغتبطة. و أخذت تكلمني عنها بكل وضوح وصراحة ولكنها كانت متعبة جداً، فلقد كانت تستوقفني كثيرا لكي تتبول.
كان يتكئ علي جدران أحد البيوت المهدمة. كثير من روائح ذائبة في الجو . أثمالاً كان يرتدي وجهه أسود ، عيناه بيضاوان. أشعس الشعر منكشه. أرخي عينيه و أخذ ينظر الي أصبعه الذي يخرج من شباك في نعاله. أخذ يحركه بإنتظام من و الي الداخل، وجعل ذلك موضوعاً له لحين ليس بالقصير. رفع رأسه ليتأمل اللاشئ أمامه. شخص بعيداً، و أخذت عيناه تزدادان بياضاً. تجول أحد الكلاب بالقرب منه. لم يحرك ساكناً. رفع يده بصورة مكنيكية بطيئة. و هرش شعره في مناطق مختلفة. ثم تزايدت مناطق الهرش. و أخذ معدلها ينمو بشكل متطرد لتشمل الجسم كله. أخذ الكلب يشم في الاصبع المطل من الشباك. دخل في تفكير عميق و أخذت تعابيره تأخذ أشكلا عدة. ففي بعضها كان يجسد الشيطان. و مرة أخري يجعلك تعلم كيف هو شكل الملائكة. واصل الكلب في الشم ، ثم رفع رجله اليمني. واصل ذلك الوجه في التلون ولم يستقر علي حال أحس الآن بنبضات قلبه تتزايد لتمزق الصمت والسكون ولون الظلام. ليسمعها كل الناس. أحس بماء دافئ في رجله اليمني. رحل الكلب وهو يعدو. رفع يديه ليغطي شبح إبتسامة عليه. و فجاءة جثا علي ركبتيه و أجهش بالبكاء.
الحياة بكاء متواصل ، تتخلله دقايق من الضحك المصطنع . فكيف نفرغ عن ذواتنا وقد منعوا كل الادوات؟؟؟
لم تعد صديقتي توافيني في الايام الاخيرة فأرسلت لها خطاباً. أخبرها فيه عن قطتنا ، و أنها قد أنجبت بنيناً وبناتاً. تتفاوت ألوانهم ما بين البنفسجي فالاسود والرمادي. و أيضاً أخبرتها بأن كل الحياة عندي كاللون الاخير و أيضاً حدثتها عن أدوات التفريغ – ولأن الكلام كان علي الورق- فلقد كان سهلاً ولم آلو فيه جهداً. ولم إستح فلقد قلت لها بالحرف الواحد " إن الدنيا ملئ وتفريغ و إن الجنس هو عصب التفريغ... و أن أبليس هو قائد دفة مركبنا وكل شياطين الدنيا تطبل لنا ، فرحة بنا.. و أن الأله لا يغفل أبداً........................................
11\11\1995
السلمة..
الآن والآن فقط أدرك تماماً ماذا تعني كلمة تفريغ . الآن ادرك محاسنها. وأيضا أعلم كل سيئة فيها.
كنت في جامعة الخرطوم في يوم الأربعاء من شهر سبتمبر من عام 1993 . كان يوم حافل بالشغب والبمبان!! والصراخ والعواء. كان يوم يدعو للرهبة بمجرد التفكير فيه. و لقد ضربت كثيراً في ذلك اليوم. و في ذلك اليوم تعرفت علي صديقتي الجديدة آنذاك و القديمة الآن. و الذي دعاني لذكر ذلك اليوم إنه كان يوم حافل بالتفريغ. كانت صديقتي تعمل علي عطن (طرحتها) بالماء ومسح وجوهي حتي أستطيع الرؤية و أنا ألقي بالطوب والحجارة و حتي الدراب علي البوليس وما كانوا من خلفهم. كان الوقوف في وجوه هؤلاء المسعورين صعباً. ولكنا كنا كلما حاولنا  التراجع نجد صديقاتنا وهن يمددنا بالطرح المعطونة. لا تسألني بأي شئ عطنت. كنا نندفع للأمام لنقذف ما بيدنا في غير ما تحديد. في ذلك اليوم أصبح التمثالان في نهاية المين. حطاماً.  و قد تحولت الي مقذوفات في أيدينا. أحمرت العيون. و أصبح التنفس صعباً. و سمعنا من كان يقول (الله أكبر) من خلفنا. سقط أحدهم بجانبي وفخذه ينزف. عند ذاك فقط سمعت صوت دوي الرصاص بقربي. و أخذ الجمع في التفكير في الخروج. فدخلنا بالأندرلاب وخرجنا بالميدان الشرقي. إقتلعنا الباب وخرجنا الي الشارع. ركبنا أول عربة صادفناها. لنخرج من ذاك المكان.
في اليوم الثاني كنت سعيداً. لأني كنت مفرغاً تماماً. ولكن صديقتي كانت مستاءة جداً. فلقد أخبرتني بأني تخليت عنها، عندما حمي الوطيس. أخبرتها أن الانسان لا يعدو أن يكون غير إنسان. و أن الاوقات الحاسمة في عمر الأنسان تجعل كل الاشياء ذات لون واحد. و أن النظرة الخارجية تصبح ضيقة حتي حدود التلاشئ. فلا يكون عتابك الآن  الا لأن تفكيرك كان داخلي لا يتعدي حدود الذات. و في آخر حديثي وصيتها بأن لا تسمح لهم بأن يفرغونا أو يملؤنا كما يحلوا لهم. فنحن الذين نتحكم بذواتنا وليس هم. هم يمتلكون كثيراً من أدوات التفريغ ولكنها جميعاً. عرجاء و مكشوفة. مدت بوزها وتوهمت للحظة إنها تهم بالبصق عليّ. ولكنها رحلت بدون أن تقول شئ.
أجلس أمام التلفاز فأجد نفسي قد عبئت . ثم في البرنامج التالي أفرغ و أفرغ  ثم وبلا سابق إنذار أملأ . لا ... لن أقبل أن أكون كذلك . لسوف تتراءآ لي الحقائق أمامي. و لسوف أعلم نفسي منذ الآن الا تفرغ ما بها أبداً. حتي ولو أستخدمت كل الادوات.
ما الذي يدعونا للبكاء أو الضحك؟؟ واقعنا .. واقعنا الذي نعيشه. هو الذي يعصرنا لكي نبكي أو يكشر في وجوهنا لكي نضحك منه أو عليه. نعم نعم .. نحن نضحك عليه وعليهم أيضاً، فهم لا يعدوا أن يكونوا مجرد مهرجين.
إستمع لخطبة الجمعة ، في ذلك اليوم الذي قررت أن أذهب فيه الي الجامع. كنت سعيدا جدا من نفسي في ذلك اليوم. و أخذ ذلك الرجل علي المنبر يتقئ علي الموجودين أمامه. و كان الصمت يعم المكان. فجأة أصبح قيه نتناً. فقام أحد الحاضرين ليخبره بذلك. ثم سرت الهمهمات ثم أصبحت تتعالي. شعرت أن هذا القئ قد خرج عن الزمن. و أصبح به كثير من نشاذ. أنا عن ذات نفسي لم أحرك ساكناً ، ولكني كنت أسمع كثيراً من عبارات الاعتراض وعدم الرضي. لم أكن أعلم قبل الآن أن بالمساجد طوب غير الآن. ولكني عندما قذفت بإحداها . وصلتني هذه المعلومة مؤكدة ومدعومة. خرجت من ذلك المكان مهرولاً. ولم أتوقف الا في المنزل. لم أذهب مرة أخري ولم أكرر المحاولة. عندما عرفت أن أمثال هؤلاء يغتنمون هذه الفرص حتي يربطون شروخ أنفسهم و يرضون ذواتهم علي حساب السامعين. هناك كثير من الناس فعلوا مثلي والبعض الآخر غيروا ذلك المسجد ليمدحوا علناً قي إمامهم الجديد.. و يلعنونه في سرهم .. يا سبحان الله.
ترددت كثيراً في أن أخوض غمار هذه التجربة. ولكني فعلت ذلك دون جهد ولا لأي ، عندما خبروني بأنها لن تفرغ ما بك ، ولكنها لسوف تجعلك تتحمل لحين التفريغ. أصبح الجامع مكان للملأ والتفريغ أيضاً. فذهبت لجارتنا أقص عليها ذلك . فضحكت ثم قالت كلاماً لا أستطيع أن أقوله ولا حتي لنفسي.
إذا كان الناس يعلمون مدي طاقاتهم و إحتمالهم . فإن كثيرا من الكلاب والنعاج و أيضاً الخنازير. لا تعلم عن ذلك شئ. فلا يحلوا لها الصياح والتناطح إلا في أنصاف الليالي..
كثير من النزيف يلي القي.. وهذه معلومة جديدة.
بالامس كنت أجلس بالقرب من صديقي.. في حرم الجامعة.. الساعة الثانية عشرة منتصف النهار في اليوم الثالث عشر من شهر يونيو.. درجة الحرارة عالية. الجوف مشحون بالمآسي والكآبة. خالي من الطعام منذ الامس. الشفاه مشققة. كنا نستمع. و أنا دائما كنت أستمع. أشعل صديقي سجارة حتي يقتل الاحساس بالجوع. كان ركن النقاش محتدماً . الآن أستمع لكل الجمل والمفردات. شعرت شعورا غريبا فرفعت رأسي فوجدتني وقد أصبحت بالونة تطير الي أسفل وتحلق الي أعلي فوق قمم الاشجار. تماوجت الاشكال أمامي. و أصبحت لا أري غير الالوان الهمجية. قمت من مكاني متعثراً. و لا يزال الركن يعمل و الصياح يعلو. كان صديقي يقول لي شيئا ما.. تحسست طريقي الي المنزل ثم غفلت راجعاً. ألا تباً.
لو خيروني في لونين فقط ، أبيض و أحمراً دون برتقالي . لإخترت أن أكون أحمرا.
أصبحت أوعية الواقع لا تتحمل واقعها . و أصبح الطريق وعراً. والسماء تمطر حصي وطوب. و جعي رجع يراودني والاشكال تأخذ شكل الحيات. ثمت شك يغذوني. في أني لا أملك منظار حقيقي لأمتلك الحقائق و أري الاشياء. ثمت ريب يخبرني بأني مغبش الرؤية من الداخل. وكثير من الماد واللون الرمادي زر علي عيوني. يبدو أن تفكيري علي هذا النحو لا يعدو أن يكون سوي وقاحة مني.
أوقف العسكري صاحبتي. ثم راح يحكي لها عن مدي بشاعة لبسها. فذهبت أتتبع كلامه و أسقطه علي صاحبتي ، فلم أري ما يقول. ثم راح و بصورة فاضحة مكشوفة لم يستحي لها يفرغ ما به عليها. منذ ذلك اليوم عرفت أن ارتداء الكاكي هو نوع من أنواع التفريغ النفسي وربط للشطور والتمزقات التي تعتريها. تجادلا كثيراً. ثم إنتصرت صاحبتي في نهاية الامر. منذ ذلك اليوم أصبحت أشك في ان عينيّ تخوناني. ولكن.. مع من ؟ لا أدري ولكنهما تخوناني. فإذا كانت بريئة ، فبلا شك إنها قد حكمت علي أذني بالاعدام . وعلي حسب ضرورة الواقع. فأنا أقول – وهذا منسوب الي لساني – أن العينان هما المتهمتان بالخيانة.
قبل ساعة من الآن كنت أقف أمام مركز شباب بحري. أنظر للطريق أمامي ، نظرة خاوية . كانت هناك طفلتان أخذتا جزء من إنتباهتي. كانتا تتعلقان بأزرع المارين. وكان المارين يلفظوهم. بكل لؤم. لم يكونوا يمتلكون أكثر منهم لم تكن حتي أذرهم تتحمل ذلك الحمل الزايد. منذ ذلك الحين أصبحتا صديقاتي لأني وجدت كثيراً من أوجه الشبه بيننا.
تمزقاتي إضمحلت. ووجعي يختبئ في دورتي الدموية نتيجة للعمل الذي كنت أقوم به الآن . ألم أقل قبلا أن الكتابة هي أداة منى أدوات التفريغ؟؟ ألم أقل أن الصرخات المكتوبة قد تنطلق من الورق في يوم ما الي كل رحاب الدنيا.
أن الوهم الحقيقي هو أن تصدق ما تحلم به. و أنت مفتوح العينين. فعندما تدفن النعامة رأسها في الرمال فذلك حتماً لا ينفي حقيقة الصياد من خلفها. 13\11\1995  
   يصبح صعباً. وصعباً جداً, ان تسير الدنيا بمزاجك وعلى هواك. وايضاً تكون وقاحة منك لو فكرت فى ذلك فى يوم ما .فعندما نحضن مخداتنا ونحلم , يتحتم علينا ان نتركها كما هى – على مخدتنا – ثم نعود لها عندما نحتاجها او نعوذها. فلا تكن خيالياً متبجحاً لتخالفنى الرأى , او تستمع لسواى فى هذه الحيظات على وجه الدقة والخصوص. قد يكون اكتشافى متأخراً فى أن الاحلام جزء من انعكاسات تمزقاتنا ولها الفضل الكبير فى انها ابقت علينا دونما انفجار.ولكن سباحتك فى وهمك وهم اكبر. وجزء لايتجزاء من صراعك مع كل مفردات اللاوعى من ثماله وخبول . ولكنى استثنى الجنون , فله عندى مكان خاص لا يعلوه ولا يدركه إلا الذى مارس هذه المفردة بادق معانيها .ولايزال يمارسها بمحض ارادته .فلنرفع اكفنا بالحمد للرب لانه وهب لنا حلماً بعنين مفتوحتين .
وكما ابتدرت فإنه – ايضاً – يكون من الدناءة وكل اخواتها وصويحابتها أن تجعل الدنيا تسيرك على مزاجها. وإن كانت هذه هى الحقيقة فى ابها صورها. ولكنى فى هذه المرة بالذات انكرها واغبشها لأنى لا اريدها لا احبذها .
قيودى تلاوينى بحثى عن ذاتى داخل اوعية تحمل اوجاعى . ضرب من الاستهتار بالسرور والابتهاج .مزج كلاهما يجعل اللون اكثر قبولاً . يجعله يميل للبرتقالى. الم اقل قبلاً أن لهذا اللون طعم خاص أنه يجعلك تمحو الاشياء وتمحورها لتشكلها كما تحب . هكذا .. نعم هكذا اريدك أن تكون. ليس بمزاجها ولامزاجك بل بخليط من امزجتكما , يكون اللون البرتقالى ذا صورة براقة وحضوراً جهورى لسوف اتحدث عن اللون البرتقالى قليلاً . وايضاً صديقه الحميم الرمادى. كلاهما يشعرانك بالتوجس وعدم الانحياز.كلاهما يتدخلان فيك عدم الثقه والريبه . نصحيتى لك لاتتصف بهما ولاتجعل احدهم يصفك بهما. فهما نفسيهما يحبان ذاتيهما . كما كثير من سودانيين يعلمون تماماً أن هذين اللونين يتوشحانهما تماماً. يسيران معاً يأكلون سوياً ثم يذهب كلاهما ليتقياء .
مبروك .. تخرق الاذن اليمنى لتعبر بى ثم تخرج يساراً. حمداً لله الذى جعل لى اذنين فقط واحمده اكثر لانه جعل اليسرى معطلة واكثر لأنهما ينقلان نفس العبارات والجمل – السؤال – لماذا جعلهما الرب اثنين ؟
  حدثتني في أن الرجال دائما ما يخدعون النساء. أدرت لها رأسي الصغير ، أخرجت لساني ثم أصدرت صوتاً. ماذا تعني بكلامك هذا؟؟ إن الرب لم يخلقكم إلا لهذا.! ألم يخلقكم أنيسات لنا؟ لابد أن نكسر روتين حياتنا، لابد أن نجعل لنا موضوعاً. أننا نفتقد الاثارة والدهشة. إنا نفتقد كل أدوات التفريغ.. ولكن السؤال : إنكن جميعاً تعرفون هذه المعلومة يقيناً. ولكن وبعد هذه المعرفة المفرطة. تقعن في شباك آدم مسرورات طائعات، بمحض الارادة؟ ألم أقل قبلا ، إن الجنون بمحض الإرادة يجد عندي مكانة خاصة؟؟
لم يعجبها كلامي. و أنا أيضا لم يعجبني إلتواء بوزها الي الناحية العلوية، فأنا أكره التعبير بحركات الشفاه. و خاصة مط السفلي ، وقلبها مع كبت العلوية في وضع الابتسامة التكشيرية. و جر الفم أفقياً. لأبد مسافة ممكنة. خاصة لو كان أنثوياً.
مضي الزمن في بلدي هذه يرقص طربا. فلقد غفل عنه الكل وتركوه يفعل بهم ما يحلو له. دونما عبرة يأخذونها منه ، أو تخبرهم عنه. لماذا كان الانسان قبلاً لا يعلم من ظواهره ، إلا ما أخبرهم هو نفسه لهم؟؟ لماذا لم  يحاولوا أن يعرفوا كيف يسير رتيباً وقحاً. أو أنه بطيئاً مترنحاً. أو لربما كان سريعاً؟ بالطبع الاجابة تسكن في الحاضر والحاضر نحن. ولكنا نحن لا نعرف نحن، والغريب إنا لا نريد ذلك حتي. ولكني أستطيع أن أقول إنا حفظنا تأريخ سابقونا . ولم نجعل له إنتباهتاً أو إحتمال.
قتل فيها الانسان العفة الكبرياء. ولكنها لا تزال تستقبله بإبتسامة كبيرة. ولكن لكل إبتسامة طعم خاص. و أنا ألمح المرارة و أتذوقها في كل إبتسامة تهبها. ألم أقل إنهن خلقن لذلك.؟ شعور بالوقاحة يراودني الآن ولكني لا أمتلك من البجاحة ما يجعلني أقص كل ما دار في تلك الحقبة من الزمن.أوليس الزمن مكان لا تتكرر فيه الأحداث؟
فالنحمد الرب أنها لا تتكرر. و إن تكررت فلسوف تكون في مكان زمني آخر.
لا أعلم الي أي مدي ستدوم إبتسامتها هذه. ؟ وهل تحتمل طعمها؟ إن كانت تمتلك إحتمال، فأني بلا شك آئل لزوال ، في المدي القريب. وكما أسلفت فإن للإنسان طاقات إحتمال لا يتجاوزها. إذن فالنشكر الرب مرات عددا لهذا الشئ.
أجعل مزاجك ملك لك. و أنظر لأمزجت الآخرين بركنا عيناك الاثنتين. و لكن حذار أن تغمضهما. أني احب التعبير فيهما واضح مجسدا. كما رائحة التبغ. إذن فالنشكر الرب لأنه جعل لنا تبغ نشتبه به. و ندير به عجلة الزمن. ونتوخي الحذر من السقوط علي طين مكان تبولنا. فلسوف تكون الامزجة هباء، إن لم تستوعب شكلك الجسدي. و إملاءآت تأتي من أركان عيناك الاثنتين. وخصوصا اليمني. بالتأكيد لم أجعل هذه الخصوصية عبثا ولكن قراءة لواقع بليد.
عبوسك في وجه العبس ، لا يساوي غير العبث. والعبث مفردة تجعل المحاولة بلا تكرار والتجربة صدفة محنية الرأس. والمزاج خروج عن طاعة. والنوم قتل لوجع يأمل الدوام. والكل يعبث بذاكرة الزمن الارعن.
لن أتصور نفسي غير صورة هوجاء لا تختار المفردات. بل تتركها تختارها لتتقافز وتتناثر كما تشاء. شكل يعبر ديالكتيا عن الأعلي . ولكن لا يعدو أن يكون غير ذلك. لأن المجتمع كله لا يعدو أن يكون غير ديالكتيك متحجر. مع بصيص من ضعف إيماني بميتافيزيقيا الاشياء. وشتان ما بين هاتين الكلمتين عندي. فكل سدر غيه ولم أسبر غوره. تنحنحا ثم ترنحا ثم تنحا ليفسحا المجال ، لرائي من علي جبل أحد أو جبل عرفة ولربما كان الرجاف . المهم إنه جبل والسلام. ألم أقل إنا ايمان ديالكتياً. ولا شئ ميتافيزيقي. إن الرائي لا يمتلك الحق في تغيير مجري الاحداث. أو الانحياز. و أن حدث فهوي داخلي لا نعرف عنه شئ . ولا نريد أن نعرف شئ عن كنهه. فهو لا يهمنا ما دام داخلياً. لأنا لا إيمان الا ما كان ماساً لنا. سحقا لهذه النتيجة. وسحقا لمجتمع أصبح يسير بقدم واحدة. شكرا لكل المفردات السوداء وذات االطابع الرسالي. فشكراً يا رب لأنك جعلت فنا أيمان ميتافيزيقي مساوياً. و لكني قلت سابقاً، أن لا خير يكافئ شر في بلد كهذه.
أن تمسك الاشياء فلا مجال لثالث من أثنين. إستفزاز يعتريك. أو دهشة تعلوك. ولكل تقسيماته. فإستفزاز يجعلك تنظر لكل المفردات  السوداء و البرتقالية بعين الرضي. حضور وذاكرة قوية لا تنسي الاحداث. تقلص في عضلات اليدين الفخزين و أسفل العنق. دهشة تولد الشلل الابتسامة والنسيان. الصدفة تلد الدهشة.. والدهشة تلد ذهولاً. والذهول يولد إبتسامة غبطة. جزلا . تتسع الرؤية  و يصبح اللون مبيض ( بيجي )
و يلد ايضا تعاستا تلد بناتا وبنينا يملؤن الدنيا كآبة صراخا و أدباء.